الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 28

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

لغة عبارة عن مجيئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما وفصل ومنه قوله عزّ من قائل ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا اى رسولا بعد رسول بزمان بينهما فعن مرّة « 1 » المتواتر الشّيئ يكون هنيهة « 2 » ثم يجيئ الأخر فإذا تتابعت فليست متواترة انّما هي متداركة ومتتابعة وعن ابن الأعرابي ترى يترى إذا تراخى في العمل فعمل شيئا بعد شئ وعن الأصمعي واترت الخبر اثبعت وبين الخبرين هينهة إلى غير ذلك من كلماتهم النّاطقة باعتبار الفترة وعدم الاتصال بينهما لكن في القاموس انّ التّواتر التّتابع أو مع فترات انتهى وظاهره اطلاق التّواتر لغة على التّتابع من غير فترة أيضا وكيف كان فقد عرّفوا الخبر المتواتر في الاصطلاح بتعريفات متقاربة أجودها انّه خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حدّ أحالت العادة اتّفاقهم وتواطيهم على الكذب ويحصل باخبارهم العلم وان كان للوازم الخبر مدخليّة في إفادة تلك الكثرة العلم فالخبر جنس يشمل الأحاد وبإضافته إلى الجماعة خرج خبر الشّخص الواحد وخرج بوصف الجماعة بالبلوغ إلى الحد خبر جمع لم يبلغوا الحدّ المذكور ولم يحصل العلم بسبب الكثرة وان حصل العلم من جهة أخرى فخرج خبر جماعة قليلين معصومين كلا أو بعضا فانّه ليس متواتر اصطلاحا وان أفاد العلم ضرورة عدم مدخليّة الكثرة في افادته العلم وكذا خرج من الأخبار ما وافق دليلا قطعيا يدلّ على مدلول الخبر فان حصول العلم منه ليس بسبب قولهم بل لذلك الدليل القطعي وقولنا وإن كان للوازم الخبر مدخليّة في إفادة تلك الكثرة العلم لأدخال ما إذا كان حصول العلم من الخبر مستندا إلى الكثرة والقرائن الخارجيّة واخراج ما إذا كان حصول العلم منه مستندا إلى غير الكثرة كما لو اخبر ثلاثة بشئ معلوم ضرورة أو نظرا أو كان اخبارهم محفوفا بقرائن زائدة على ما لا ينفكّ الخبر عنه عادة من الأمور الخارجية المتعلّقة بحال المخبر ككونه موسوما بالصّدق وعدمه أو حال السّامع ككونه خالى الذّهن وعدمه أو بالمخبر عنه ككونه قريب الوقوع وعدمه أو نفس الخبر كالهيئات المقارنة له الدالّة على الوقوع وعدمه فانّ شيئا من ذلك ليس من المتواتر نعم لا يعتبر كون الكثرة علّة تامّة في حصول العلم ولا نمنع من مدخليّة الأمور المذكورة أيضا مع الكثرة كما يكشف عن ذلك ما علّل به المحقّقون عدم اعتبار عدد خاص في التّواتر من اختلاف ذلك باختلاف المقامات فانّه ليس لأختلافها في انضمام شئ من الأمور المذكورة إلى الكثرة وعدمه وممّا ذكرنا ظهرت متانة ما نبّه عليه بعض المحقّقين قدّه من انّه قد يشتبه ما يحصل العلم فيه بسبب التّسامع والتّظافر وعدم وجود المخالف بالمتواتر فمثل علمنا بالهند والصّين وحاتم ورستم ليس من جهة التّواتر لأنّا لم تسمع الّا من أهل عصرنا وهم لم يرووا لنا عن سلفهم ذلك أصلا فضلا عن عدد يحصل به التّواتر وهكذا وليس غرضه قدّه عدم امكان التّواتر فيه ولا استلزام ما ذكره عدم حصوله في نفس الأمر وانّما غرضة انّ علمنا لم يحصل من جهة التّواتر بل من جهة اطباق أهل العصر قاطبة على ذلك امّا بالتصريح أو بظهور انّ سكوتهم مبنّى على عدم بطلان هذا النّقل فالمفيد للقطع بصحّة ما ذكر انّما هو كثرة تداول ذلك على الألسنة وعدم وجود مخالف في ذلك العصر ولا نقل انكار عمن سلف فهو نظير الإجماع على الحكم الشّرعى المفيد للقطع برأي المعصوم فوجود البلاد النّائية والأمم الخالية لنا من هذا الباب لأمن باب التّواتر كما لا يخفى على المتدبّر المقام الثّانى انّه اتّفق أكثر العقلاء على امكان تحقّق الخبر المتواتر وحصول العلم به وحكى انكار ذلك عن السمنيّة والبراهمة وعن بعضهم الموافقة على افادته العلم إذا كان خبرا عن أمور موجودة في زماننا دون ما كان خبرا عن أمور سالفة والحقّ الأوّل ضرورة ان كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري بالبلاد النّائية والأمم الخالية كقوم فرعون وعاد وثمود والأنبياء عليهم السّلام كموسى وعيسى ومحمّد صلى اللّه عليه وآله والملوك الماضية مثل كسرى وقيصر والفضلاء المشاهير كأفلاطون وأرسطو ولا يكاد العلم بذلك يقصر عن العلم بالمحسوسات ولا طريق لنا إلى ذلك الّا الأخبار والمنكر لذلك كالمنكر للمشاهدات فلا يستحق المكالمة وقد حكى عن الخصم شبهات واهية مرجعها إلى الشّبهة في قبال البداهة احديها انّ كل واحد من المخبرين البالغين حد التواتر يجوز عليه الكذب عند انفراده فعتد اجتماعه يكون كذلك والا لانقلب الجايز ممتنعا وانّه محال وح فيجوز الكذب على الجميع فلا يكون قولهم مفيدا للعلم والجواب منع استلزام جواز الكذب على الأحاد جوازه على المجموع فان حكم المجموع كثيرا ما يخالف حكم افراده الا ترى إلى انّ العسكر يفتح البلد ويظفر ولا يتأتى ذلك من كل واحد وانّ من حكم العشرة انّ الواحد جزئها بخلاف الواحد فلا يلزم من حصول العلم من اخبار الجميع بسبب التّعاضد والتقوى حصوله من كل واحد ولزوم انقلاب الجايز ممتنعا ممنوع إذ المحكوم عليه بجواز الكذب خبر الواحد حال انفراده والمحكوم بعد خبر المجموع وأحدهما غير الأخر الثانية انّه لو حصل العلم به لزم اجتماع النّقيضين فيما إذا تواتر نقيضه أيضا والجواب انّ ذلك فرض محال لعدم تعقّل تواتر النّقيضين جميعا الثّالثة انّه كاجتماع الخلق الكثير على اكل طعام واحد وهو محال عادة والجواب أولا منع استحالة اجتماع عدد التواتر على اكل طعام واحد إذا دعى إلى ذلك داع كاجتماعهم على اكل النعناع في أيام مرض الوباء وثانيا انّه قياس مع الفارق والوقوع بالوجدان اخصّ من الإمكان الرابعة انّه لو حصل العلم به لحصل بما نقله اليهود والنّصارى عن نبيّهم بانّه لا نبىّ بعده فيبطل دين محمّد صلى اللّه عليه وآله والجواب اوّلا منع نقلهم ذلك بل ينقلون الأخبار بمجىء محمّد صلى اللّه عليه وآله وينكرون كون هذا الوجود الشريف ذلك وينتظرون ذاك ويزعمون انّه الّذى نعتقد انّه يجئ ويملأ الأرض عدلا عجّل اللّه تعالى فرجه وجعلنا من كل مكروه فداه ولذا انّهم في هذه السّنين لا زالوا ينتقلون إلى بيت المقدس جيلا بعد جيل ويتوطّنون هناك ويخبرون بقرب ظهور ذلك الموعود وثانيا انّه يشترط في المتواتر حصوله في جميع الطّبقات والوسائط وبخت نصر قد استاصل اليهود فلم يبق منهم عدد التّواتر والنّصارى في اوّل الأمر لم يكونوا عدد التّواتر فتأمّل مع انّ عدم العلم بتساوي الطّبقات يكفى في المنع ولا يهمّنا اثبات العدم إلى غير ذلك من شبهاتهم الواهية في مقابلة الضّرورة الّتى لا تستاهل جوابا كالشّبه السّوفسطائيّة المنكرين للحسيّات فانّ غاية ترقى الجواب في مقام القطعيّة ان يكون ضروريا وهم ينكرون الضّروريات فلا جواب معهم المقام الثالث انّ القائلين بامكان تحقّق الخبر المتواتر وحصول العلم به اختلفوا فقال أكثرهم انّ ذلك العلم ضروري وقال أبو الحسين البصري وأبو القسم الكعبي والجويني « 3 » والغزالي انّه كسبّى نظري وتوقف بعضهم في ذلك وفصل علم الهدى ره فقال انّ اخبار البلدان والوقايع والملوك وهجرة النبي صلى اللّه عليه وآله ومغازيه وما يجرى هذا المجرى يجوز ان يكون العلم بها ضرورة من فعل اللّه تعالى ويجوز أن تكون مكتسبة من افعال العباد وامّا ما عدى ذلك مثل العلم بمعجزات النّبى ( ص ) وكثير من أحكام الشريعة والنّص الحاصل على الأئمّة عليهم السلام فنقطع على انّه مستدلّ عليه انتهى وحكى عن الشّيخ ره في العدّة أيضا اختيار ذلك حجّة القول المشهور أمور الأوّل انّه لو لم يكن العلم الحاصل من الخبر المتواتر ضروريا وكان مكتسبا لما حصل لمن لم يمارس النّظر والاستدلال والتّالى باطل ضرورة حصوله للعوام والصّبيان القاصرين عن اهليّة النّظر فالمقدّم مثله والملازمة ظاهرة ونوقش في ذلك بانّ العوام والصّبيان أيضا لهم معلومات نظريّة بالضرورة وانّهم يستفيدون ذلك من المقدّمات ويترتّب في نظرهم مقدمات الدليل ويحصل لهم النّتيجة لكنّهم لا يتفطنون بها من حيث هي كك والمقدمات العادية لأشكال فيها ولا دقة بحيث لم تحصل للعوام والصّبيان بل مداد العالم وأساس عيش بنى ادم غالبا على المقدّمات العادية الّتى يفهمها أكثر العقلاء والّا فلا نجد أحد من غير العلماء والأزكياء يعلم ضره من نفعه وخيره من شرّه مع انّ ذلك مبنى على قاعدة ادراك الحسن والقبح العقليّين ولزوم الاجتناب عن المضار حسن ارتكاب المنافع والنّظرى هو ما كان العلم به موقوفا على المقدمتين لا بالعلم بهما الثاني انّه لو كان العلم به نظريا لما حصل

--> ( 1 ) اسم جمع علماء العامّة ( 2 ) لغة في أمنية واللغة الثالثة امنيّة بتشديد الياء من دون همزة ( 3 ) جوين كزبير بلدة في بلد خراسان وقرية في سرخس